محمد محمد أبو موسى
494
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ونرى أن الاستعارة هنا هي ما سماها المتأخرون الاستعارة المكنية ، حيث ذكر شبه القلوب والأسماع بأشياء يستوثق منها بالختم ، فصارت كأنها مستوثق منها كما يقول ، الا أن العلامة سعد الدين لا يرضى بهذا الذي نفهمه ويقول إنه يريد تشبيه عدم نفوذ الحق إلى القلوب وتحقق نبو الأسماع عن قبوله بالختم عليها ، أي بكونها مختوما عليها على ما ينبئ عنه قوله : كأنها مستوثق منها بالختم ، ويشبه عدم اجتلاء الأبصار للآيات والأدلة بالتغشية عليها ، ثم يقول : وقد يتوهم من ظاهر عبارة الكتاب أن المشبه هو القلوب والأسماع ، ومن هاهنا ذهب بعضهم في القول الأول إلى أن القلوب استعارة بالكناية والختم تخييل . . ولا يخفى على من له قدم في علم البيان أن الأولى ما ذكرنا ، وأن قوله : تجعل القلوب . . إلى آخره ، بمنزلة قولك : يجعل الحال لكونها دالة على كذا كأنها ناطقة به - وأن عبارته ظاهرة في أن الختم والتغشية مجاز » « 65 » . وقول الزمخشري : « تجعل القلوب . . الخ » ، لا يصح تنزيله منزلة قولك : تجعل الحال لكونها دالة كأنها ناطقة ، وذلك لأن هذا يكون في الحال بعد بيان الاستعارة في « نطقت » ، وحينئذ يكون جعلها كأنها ناطقة تبعا لهذه الاستعارة ، أما أن نقول ابتداء في « نطقت الحال » : جعل الحال كأنها ناطقة ، فإنه لا يفهم منه الا طريق الاستعارة المكنية ، فإذا كان كلام الزمخشري خاليا مما يدل على أن التشبيه في لفظ « الختم » فليس ما يدعو إلى جعل كلامه عن القلوب والأسماع بمنزلة القول في « نطقت » ، لأنه يأتي هناك تبعا كما قلت . وقد نقل الشهاب الخفاجي كلام سعد الدين ، وعلق عليه ، بقوله : « وهو كلام حسن ، ثم ذكر أصلا يفرق به بين المكنية والتبعية ، وهو أصل دقيق ، وأظن أن صاحبه الأول العلامة السيد الشريف ، وخلاصته أنه يصار إلى المكنية إذا كان اللازم المذكور قد اشتهر أنه من لوازم المشبه به ، وكان تشبيه المذكور بالمستعار منه المحذوف تشبيها شائعا ، كما في
--> ( 65 ) حاشية سعد الدين ورقة 32